لم تعد قراءة الاقتصاد السعودي تبدأ من البحث بين عشرات الجداول والتقارير؛ فقد أصبح بإمكان المستخدم أن يطرح سؤاله مباشرة، وينتظر من البيانات أن تجيبه.
أعلنت وزارة الاقتصاد والتخطيط إطلاق النسخة التجريبية من أداة «رؤى» (INSAIGHTS)ضمن منصة بيانات السعودية (Data Saudi)، في خطوة تنقل التعامل مع البيانات الاقتصادية والاجتماعية من مرحلة تصفّح المؤشرات إلى مرحلة الحوار الذكي معها.
«رؤى» ليست مجرد نافذة جديدة لعرض الأرقام، بل أداة مدعومة بالذكاء الاصطناعي الوكيلي، تتيح للمستخدم كتابة سؤاله بلغة طبيعية، ثم الحصول على إجابات وتحليلات فورية تستند إلى البيانات والمؤشرات المتاحة في المنصة.
وبدلًا من البحث يدويًّا عن مؤشر البطالة، أو مقارنة أداء أحد القطاعات، أو تتبّع تغيرات مؤشر اقتصادي خلال فترة زمنية محددة، يستطيع المستخدم أن يطلب هذه المعلومات مباشرة بطريقة تشبه الحوار.
أكثر من 7,500 مؤشر في متناول السؤال
تستند الأداة إلى أكثر من 7,500 مؤشر اقتصادي واجتماعي متاح عبر منصة بيانات السعودية، التي تمثل مرجعًا موحدًا للبيانات الاقتصادية والاجتماعية في المملكة.
وتكمن القيمة الحقيقية هنا في أن الأداة لا تضيف بيانات جديدة فحسب، بل تغيّر طريقة الوصول إلى البيانات الموجودة أصلًا.
فالمشكلة في كثير من الأحيان ليست ندرة البيانات، بل صعوبة العثور عليها، وفهمها، وربط المؤشرات بعضها ببعض، ثم تحويلها إلى معرفة قابلة للاستخدام.
وهنا يأتي دور «رؤى»: تقليل المسافة بين السؤال والمعلومة، وبين الرقم والقرار.
من عرض البيانات إلى التفاعل معها
طوال سنوات، ركزت منصات البيانات على تقديم المؤشرات في صورة جداول ورسوم بيانية ولوحات معلومات تفاعلية. وقد شكّل ذلك تقدمًا مهمًّا في تعزيز الشفافية وإتاحة المعلومات.
لكن «رؤى» تمثل مرحلة مختلفة.
فبدلًا من أن يتكيف المستخدم مع بنية المنصة وطريقة تصنيف البيانات، تبدأ المنصة بالتكيف مع لغة المستخدم واحتياجاته. وبذلك يصبح الوصول إلى البيانات متاحًا لشريحة أوسع، ولا يظل حكرًا على المتخصصين في التحليل الإحصائي أو التعامل مع قواعد البيانات.
وهذا التحول قد يفتح المجال أمام استخدامات عديدة؛ فقد تساعد الأداة مسؤولًا حكوميًّا في استكشاف أحد المؤشرات، أو باحثًا في تكوين تصور أولي عن قضية اقتصادية، أو مستثمرًا في فهم اتجاهات قطاع معين، أو رائد أعمال في قراءة السوق التي يستعد لدخولها.
كما يمكن للطلاب والإعلاميين والمهتمين بالشأن الاقتصادي استخدامها لتبسيط المؤشرات وفهم العلاقات الأولية بينها.
القيمة لا تكمن في سرعة الإجابة فقط
قد يبدو الحصول على إجابة فورية هو الميزة الأبرز للأداة، لكن القيمة الأعمق تتمثل في إتاحة التحليل الاقتصادي لشريحة أكبر من المستخدمين.
عندما تصبح البيانات أسهل في الوصول والفهم، ترتفع احتمالية استخدامها في التخطيط، وتصميم السياسات، وتطوير المنتجات، وتوجيه الاستثمارات، وإجراء البحوث.
وهذا يعني أن «رؤى» قد تسهم في تحويل البيانات الحكومية من مورد يُعرض للمهتمين إلى بنية معرفية تُستخدم بصورة يومية في صناعة القرار.
كما يعكس إطلاق الأداة توجهًا متقدمًا في توظيف الذكاء الاصطناعي داخل المنصات الحكومية؛ ليس بوصفه إضافة تقنية شكلية، بل بوصفه وسيطًا يساعد الإنسان على فهم كميات كبيرة من البيانات والتفاعل معها بطريقة أكثر بساطة.
السؤال الجيد يصنع فرقًا
مع ذلك، لا تعني سهولة استخدام الأداة أن جودة النتائج ستكون واحدة في جميع الحالات.
فكلما كان السؤال واضحًا ومحددًا، ازدادت فرصة الحصول على إجابة أكثر فائدة. وهناك فرق كبير بين أن يسأل المستخدم: «كيف هو الاقتصاد السعودي؟»، وبين أن يسأل: «كيف تغير معدل مشاركة السعوديات في سوق العمل خلال السنوات الخمس الأخيرة؟».
الذكاء الاصطناعي يسهّل الوصول إلى الإجابة، لكنه لا يلغي أهمية التفكير النقدي أو القدرة على صياغة السؤال الصحيح.
وقد تصبح مهارة طرح الأسئلة على البيانات إحدى المهارات الأساسية للقيادات والباحثين والمحللين خلال المرحلة المقبلة.
نسخة تجريبية تستحق الاستكشاف… والتحقق
لا تزال «رؤى» في نسختها التجريبية، وهو ما يعني أن قدراتها ستواصل التطور والتوسع خلال الأشهر المقبلة.
ولهذا، من المهم التعامل مع النتائج بوصفها نقطة انطلاق للتحليل، لا بديلًا كاملًا عن التحقق المهني. وعند استخدام المعلومات في إعداد دراسة، أو اتخاذ قرار استثماري، أو صياغة سياسة عامة، ينبغي الرجوع إلى المؤشرات الأصلية، ومراجعة مصادرها، والتأكد من تاريخ تحديثها وسياقها.
هذه الملاحظة لا تقلل من قيمة الأداة، بل تساعد على استخدامها بطريقة مسؤولة؛ فالذكاء الاصطناعي يستطيع تسريع التحليل وتبسيط البيانات، بينما يبقى الحكم النهائي مسؤولية الإنسان.
خطوة نحو اقتصاد يتحدث بلغة البيانات
يمثل إطلاق «رؤى» خطوة مهمة في رحلة تطوير البنية الرقمية للبيانات في المملكة، ويتوافق مع مستهدفات رؤية السعودية 2030 في تعزيز الشفافية، ودعم التحول الرقمي، وترسيخ القرارات المبنية على البيانات.
لكن الأثر الحقيقي للأداة لن يُقاس فقط بعدد الأسئلة التي تستقبلها، بل بمدى قدرتها على تحسين فهم المستخدمين للاقتصاد، ومساعدة الجهات والباحثين والمستثمرين على اتخاذ قرارات أكثر وعيًا.
لقد اعتدنا أن نبحث داخل البيانات عن الإجابات.
أما اليوم، فقد أصبح بإمكاننا أن نسأل البيانات مباشرة.
يمكن تجربة أداة «رؤى» عبر منصة بيانات السعودية: