الأبعاد السبعة للاستدامة: كيف نصنع الأثر بمفهوم شمولي؟

نموذج الأبعاد السبعة للاستدامة المطور من مختبر الاستثمار الاجتماعي – 7Ps of Sustainability

نموذج 7Ps للأثر المستدام — من ابتكار مختبر الاستثمار الاجتماعي

لماذا نحتاج مفهومًا جديدًا للأثر؟

حين نسمع كلمة “الأثر” أو “المسؤولية الاجتماعية”، يقفز الذهن مباشرة إلى التبرعات والمبادرات الخيرية. وهذا اختزال خطير.

الحقيقة أن الأثر الحقيقي أعمق وأشمل بكثير. فهو ليس نشاطًا جانبيًا تقوم به المنظمة لتجميل صورتها، بل هو سلوك استراتيجي يتغلغل في كل تفصيلة من تفاصيل العمل.

من هذا المنطلق، طوّر د. معن التنجي في مختبر الاستثمار الاجتماعي نموذج الأبعاد السبعة للاستدامة (7Ps of Sustainability)، ليكون إطاراً عملياً يُعيد تعريف الأثر ويحوّله من شعار إلى ممارسة قابلة للقياس والتطوير.

المبدأ الأساسي: الأثر منظومة متكاملة

قبل أن نغوص في التفاصيل، علينا استيعاب فكرة جوهرية:

الأثر ليس بُعداً واحداً، بل سبعة أبعاد تعمل معاً.

لا يمكننا هندسة وقياس ما لا ندرك شمولية أبعاده. ولهذا فإن فهم هذه الأبعاد السبعة هو الخطوة الأولى والضرورية لأي منظمة تريد أن تصنع فرقًا حقيقيًا في المجتمع.


البُعد الأول: المنتج (Product)

السؤال المحوري:

ما الذي تقدمه منظمتك للناس من منتجات وخدمات؟ وهل يُحدث أثراً إيجابياً أم سلبياً؟

جوهر البُعد:

يتعلق هذا البُعد بالأثر الناتج عن “ما تقدمه المنظمة” من سلع أو خدمات. هل المنتج آمن؟ هل هو ذو جودة عالية؟ هل يلبي احتياجًا حقيقيًا للمجتمع أم يخلق احتياجًا استهلاكيًا ضارًا؟

التطبيق العملي:

  • توفير معلومات شفافة عن المنتج (المكونات، الآثار الصحية)
  • تطوير منتجات أكثر استدامة (تقليل التغليف البلاستيكي، استخدام مواد طبيعية)
  • الابتكار في تصميم منتجات تحل مشاكل بيئية أو اجتماعية

مثال:

شركة أغذية تقوم بتعديل وصفات منتجاتها لتقليل نسب السكر والدهون المشبعة، استجابة لمشكلة السمنة في المجتمع، بدلًا من مجرد التبرع لجمعيات صحية بينما منتجها يسبب المرض.

البُعد الثاني: العمليات (Process)

السؤال المحوري:

هل تتم أعمال الشركة اليومية بطريقة مسؤولة وشفافة تحترم الإنسان والبيئة؟

جوهر البُعد:

يركز بُعد العمليات التشغيلية على كيفية قيام الشركة بأعمالها وأنشطتها الداخلية. أي أنه يغطي السياسات والإجراءات المتبعة أثناء إنتاج المنتجات أو تقديم الخدمات.

التطبيق العملي:

  • الإدارة البيئية (تقليل استهلاك الموارد الطبيعية والتلوث)
  • أخلاقيات العمل (منع الغش والفساد، الالتزام بمعايير النزاهة)
  • حقوق العاملين في سلاسل الإمداد (حقوق عمال الموردين والمتعهدين)
  • الصحة والسلامة المهنية داخل مواقع العمل

مثال:

شركة ملابس تراقب موردي القطن للتأكد من عدم استخدامهم لمبيدات ضارة بالتربة، وتستخدم تقنيات لتدوير المياه المستخدمة في صباغة الأقمشة.

البُعد الثالث: الأفراد (People)

السؤال المحوري:

كيف تعامل شركتك الناس الذين يتأثرون بأنشطتها؟

جوهر البُعد:

يركز بُعد الأفراد على كل ما يتعلّق برأس المال البشري وأصحاب المصلحة الذين يتأثرون بأنشطة الشركة. وفي مقدمة هؤلاء الموظفون والعاملون لدى الشركة، إلى جانب المجتمع الأوسع من موردين وعملاء وشركاء.

التطبيق العملي:

  • توفير بيئة عمل آمنة وصحية للموظفين
  • التدريب والتطوير المهني المستمر
  • المساواة في الفرص (تمكين الشباب حديثي التخرج، توفير فرص لذوي الإعاقة)
  • ضمان الأجور العادلة وساعات العمل الملائمة
  • سياسات عدم التمييز وتعزيز التنوع الثقافي
  • آليات الاستماع لشكاوى الموظفين والتعامل معها بشفافية

مثال:

لا يقتصر البُعد الإنساني على داخل الشركة، بل يمتد إلى سلاسل التوريد، فقد تقدّم الشركة برامج تأهيلية داعمة للموردين الذين تتعامل معهم.

البُعد الرابع: الاستهداف (Place)

السؤال المحوري:

أين تعمل شركتك؟ وهل تضع في اعتبارها احتياجات المجتمع المحلي والبيئة المحيطة؟

جوهر البُعد:

يهتم بُعد المكان بالمحيط الذي تعمل لأجله المنظمة، سواء من ناحية البيئة الطبيعية أو المجتمع المحلي الجغرافي. يمكن وصف هذا البُعد بأنه الموقع الجغرافي والفئات السكانية التي تختار الشركة أن تستهدفها في أعمالها.

التطبيق العملي وأمثلة:

  • استهداف ذوي الإعاقة من خلال توفير مرافق وبُنى تحتية ملائمة في الفروع
  • إنشاء المدارس في المناطق الريفية والنائية بدلاً من التركيز على السوق الأسهل (المدن الحضرية)
  • برامج تعليم عن بُعد تسهم في تقليص الفجوة الرقمية بين المدن والقرى (استهداف المناطق النائية)

البُعد الخامس: النموذج المالي (Profits’ Model)

السؤال المحوري:

هل تحقق منظمتك نجاحها المالي بطريقة عادلة ومنصفة ومسؤولة تجاه المجتمع؟

جوهر البُعد:

نموذج العمل الربحي المسؤول يعني كيفية تحقيق الشركة للأرباح بطريقة تتوافق مع مبادئ المسؤولية الاجتماعية والأخلاقية. هذا البُعد ينظر بشكل شمولي إلى أساس نشاط الشركة — أي فلسفة كسب المال — ويطرح سؤالًا جوهريًا: هل تحقق الشركة نجاحها المالي بطريقة عادلة ومنصفة ومسؤولة تجاه المجتمع؟ أم أنها تعتمد على القروض الربوية التي توسع الهوّة بين طبقات المجتمع؟

التطبيق العملي:

  • الحوكمة الرشيدة والشفافية في الإدارة المالية
  • منع تضارب المصالح واحترام حقوق المساهمين الصغار
  • ممارسات تسويقية ومنافسة عادلة (تجنب الاحتكار أو الدعاية المضللة)
  • الالتزام بالأنظمة (دفع الزكاة المستحقة التي تسهم في تنمية الاقتصاد المحلي)
  • الالتزام بالنماذج المالية العادلة والمشروعة، وتجنّب النماذج الربوية
  • توجيه جزء من الأرباح نحو الاستثمار في تطوير المجتمع

مثال:

دعم الإنتاج المحلي على حساب الأجنبي، مثل الشراء من موردين محليين، وإن كانت أسعارهم مرتفعة أو جودة أقل نسبيًا، كجزء من تحقيق أرباح مسؤولة تعود بالنفع على الاقتصاد الوطني ككل.

البُعد السادس: النموذج الثقافي (Paradigm)

السؤال المحوري:

كيف لثقافة شركتنا وقيمها أن تُحدث أثرًا يتجاوز حدودنا الداخلية، ليصبح قدوة تنتشر بين الشركات الأخرى والمجتمع؟

جوهر البُعد:

يشير النموذج الثقافي — ويُقصد به النهج الفكري أو الثقافة المؤسسية — إلى النهج المبتكر الذي تعمل فيه الشركة، ويمكن أن ينتقل هذا النهج الإيجابي الابتكار إلى شركات أخرى.

إنه بُعد يتعلق بالفلسفة والقيم والرؤية التي تتبناها القيادة العليا والتي تتغلغل في ثقافة الشركة وسلوكها الاستراتيجي. بعكس الأبعاد الأخرى التي تقيس ممارسات محددة، فإن النموذج الفكري يعكس الروح العامة للشركة، التي يمكن أن تصبح ملهمة لغيرها وتتحول إلى تيار أو معيار مجتمعي.

أمثلة على صناعة الأثر عبر النموذج الثقافي:

  • مقهى يوظف ذوي الاحتياجات الخاصة: بدأ كمبادرة فردية، ثم تبنّت مقاهٍ ومطاعم أخرى نفس النهج، فتحولت الممارسة إلى ثقافة سائدة في قطاع الضيافة.
  • شركة تعتمد سياسة الشفافية الكاملة مع العملاء: مثل نشر تفاصيل مكونات المنتجات أو آلية التسعير. مع الوقت، يطالب العملاء الشركات الأخرى بالشفافية، فيصبح هذا النموذج هو المعيار الجديد في السوق.
  • شركات سعودية تتبنى ثقافة “العمل عن بُعد”: بعد نجاح التجربة في تحسين رضا الموظفين والإنتاجية، تحوّل الأمر إلى توجه عام ألهم جهات أخرى في القطاعين الخاص والحكومي.

البُعد السابع: العمل الخيري (Philanthropy)

السؤال المحوري:

هل نتبرع للمجتمع ونساهم في سدّ احتياجاته الإنسانية؟

جوهر البُعد:

هو البُعد الأكثر شهرة ولكنه الأخير في الترتيب الاستراتيجي. يشمل العطاء المباشر للمجتمع، سواء كان ماليًا (تبرعات)، عينيًا، أو عبر التطوع، أو عيني (مثلاً تقديم أجهزة كمبيوتر للمدارس كهبة).

الشرط الجوهري:

يجب أن يكون هذا العطاء موجهًا وذكيًا ومكملًا للأبعاد الستة السابقة لا ساترًا لعيوبها. ولا يرتبط بمجال عمل الشركة.

مثال:

شركة اتصالات تمنح موظفيها ساعات عمل مدفوعة للتطوع بخبراتهم التقنية في تعليم البرمجة للأيتام، كجزء من التزامها بتمكين المجتمع رقميًا.


الخلاصة: من التجزئة إلى التكامل

إن فهمنا لهذه الأبعاد السبعة هو الخطوة الأولى والضرورية لتعزيز الاستدامة؛ لأننا ببساطة لا يمكننا هندسة وقياس ما لا ندرك شمولية أبعاده.

النموذج يدعو المنظمات إلى:

  1. التوقف عن اختزال الأثر في العمل الخيري فقط
  2. إعادة تقييم كل بُعد من الأبعاد السبعة في سياق عملها
  3. بناء استراتيجية متكاملة تربط بين هذه الأبعاد
  4. قياس التقدم في كل بُعد بمؤشرات واضحة

نموذج 7Ps: من الفكرة إلى الانتشار

منذ تطويره في مختبر الاستثمار الاجتماعي، انتشر نموذج الأبعاد السبعة للأثر ليصبح إطارًا معتمدًا تستخدمه عشرات المؤسسات والجامعات والشركات، ويُدرَّس في المراكز التدريبية المتخصصة في الاستدامة والمسؤولية الاجتماعية.

هذا النموذج ليس مجرد إطار نظري، بل أداة عملية تساعد المنظمات على:

  • تشخيص واقعها الحالي في كل بُعد
  • تحديد الفجوات والفرص
  • تصميم خطط تحسين قابلة للتنفيذ
  • قياس الأثر الفعلي بشكل شمولي

للاطلاع على مزيد من النقاش حول المفهوم الشمولي للأثر والمسؤولية المجتمعية شاهد الحلقة الكاملة من بودكاست:

كيف تحوّل مسؤوليتك المجتمعية إلى استراتيجية ربحية؟

انضم إلى الحوار حول هذا الموضوع في التواصل الاجتماعي:

شــــارك عبر

أفكار قد تهمك:

مقال

سألنا 425 منظمة عربية: هل تقيسون أثركم؟

مقال

لماذا نحتاج صندوقًا للاستثمار الاجتماعي في الكفاءات الرقمية؟ دعوة لتبنّي فكرة تُغيّر قواعد اللعبة